‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات دينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات دينية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 5 ديسمبر 2019

الخدعة المذمومة في مقولة اللحوم المسمومة ..!


الخدعة المذمومة في مقولة اللحوم المسمومة ..!

ليست المَرَّة الأُولى التي يَتناول فيها القَلَم مَقولة: "لحوم العُلمَاء مَسمومة"، فقد نَشرتُ قبل حوالى 3 سَنوات -في هذه الزَّاوية- مَقالاً تَحت عنوان: "الأقوال المَلمومة في فَساد اللحوم المَسمومة"، ولكن سَأضطر مَرَّة أخرى للتَّذكير بهَذه المَقولة، وتَبعاتها التَّاريخيّة، وذلك لسَببين: السَّبب الأوَّل: أنَّ كَثيراً مِن الأصدقاء طَلبوا منِّي رَصد هذه المَقولة، ومُحاصرتها، وذِكْر سياقها التَّاريخي، ثَانياً: لأنَّ الجَدَل الدِّيني هذه الأيَّام (على قفا من يشيل)، خَاصَّة ونَحنُ نُشاهد حروب الفَتاوى بين المُفتين..!
حَسناً.. لنَخش في الموضوع ونَقول:
مَا إن يَشرع القَلَم في نَقد أو مُناقشة أي عَالِم، حتَّى تَرتفع مَقولة "لحوم العُلمَاء مَسمومة"؛ وكأنَّ لحوم غيرهم "صَالحة للأكل"، وإذا كَانت لحوم هؤلاء العُلمَاء "مَسمومة" ألا يَنصرف الذّهن تَلقائيًّا إلى أنّها فَاسدة، لذا يَجب الابتعاد عنها..؟!
حَسناً.. لنَرصد هذه المَقولة تاريخيًّا:
العبارة قَالها "الحافظ ابن عساكر" -رحمه الله-، الذي عَاش في القرن السّابع الهجري، ونَص العبارة كَانت كالتَّالي: (واعلم يا أخي.. وفّقنا الله وإيّاك لمَرضاته، وجَعلنا ممَّن يَخشاه ويتّقيه حَق تقاته.. أنّ لحوم العُلمَاء -رَحمة الله عليهم- مَسمومة، وعادة الله في هتك أستَار منتقصيهم مَعلومة، لأنّ الوَقيعة فيهم بمَا هُم مِنه بَراء أمره عَظيم، والتّناول لأعراضهم بالزّور والافتراء وَقعٌ وَخيم، والاختلاق عَلى مَن اختاره الله مِنهم لنَعش العِلْم خُلقٌ ذَميم)..! انتهى.
وإذا كان "ابن عساكر" ليس نبيًّا؛ فإنّ فرصة الأخذ مَعه والرَّد عليه مَشروعة، ولكن سأُنزل الرَّجُل في مقداره، وأُخرج للقوم مِن عباراته مَا يُدين المُستشهدين بها، قبل المُعارضين لها..!
فلو دقّقت أيّها القَارئ -رحمك الله وجنّبك الخَطأ- في عبارات "ابن عساكر" لوجدته يُؤكِّد على قَوله: "العُلمَاء"، والذين يَحملون "نَعش العِلْم"، والمُراد –هنا- مَن يَنطبق عليهم وَصف عَالِم، لا مَن يَتمسَّح بالعِلْم، مِثل كثير مِن هذه الوجوه التي تَتمخْطَر بيننا، وتَخرج على شَاشاتنا..!
وارجع البَصر مَرَّة أخرى، وتَمعَّن عباراته التي يَقول فيها: "بمَا هُم مِنه براء"، و"بالزّور والافتراء"، و"الاختلاق"، وكلّ هذه الجُمل "المفيدة" تُبيّن أنَّ المنهي عنه هو الكذب، والافتراء عليهم بما ليس فيهم..!
ثمّ إنَّ هذا النّهي عن الوَقيعة بما يَتبرَّأ مِنه، والتَّناول للعَرض بالزّور والافتراء، والاختلاق والكذب، لِمَ يَخصّ به "لحم العُلمَاء" دون غيرهم، أليست هي مَناقص ومذمَّات، تَحملنا النَّخوة ويَدفعنا الدّين للنّهي عَنها، مَتَى مَا وَقعت على أي أحد، سَواء كان "عَالِماً" أو "مُتعالماً"، أو حتَّى مِن "عوام النَّاس"..؟!
وللشّيخ "عبدالكريم الحميد" كلام مُستقيم في هذه العبارة، إذ يَقول: (لا يَعني كَلام "ابن عساكر" هذا غَلق البَاب عَن الكَلام في العُلمَاء، إذا دَعت الحاجة لذلك، وحَسُنَ القَصد في ذلك، كَمَا في كُتُب: "الجرح والتّعديل والتّراجم"، وما يُؤثَر عن العُلمَاء في كلامهم على زَلَّات بَعضهم..) وبالمُناسبة فإنّ الشّيخ "الحميد" قد ألّف كتيباً في مقولة "ابن عساكر" هذه، وما ذَاك إلَّا لكثرة ما يَحتمي بها أنصاف العُلمَاء وأرباعهم..!
أكثر مِن ذلك رَوى الإمام "ابن تيمية" -والذي يجلّه القوم هنا- أنّ بَعضهم قَال للإمام "أحمد بن حنبل": (إنّه يَثْقُل عليّ أن أقول: فلان كذا وفلان كذا..)، فقال الإمام أحمد: (إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا، فمَتى يَعرف الجَاهل "الصَّحيح مِن السّقيم")..؟!
ومَرّة أخرى، قيل للإمام "أحمد بن حنبل": (الرّجل يَصوم ويُصلِّي ويَعتكف أحبُّ إليك، أم يتكلّم في أهل البدع..؟! قال: إذا قَام وصلّى فإنّما هو لنفسه، وإذا تَكلّم في أهل البدع، فإنّما هو للمسلمين، وهذا أفضل)..!
وقبل أن ننهي مساحة هذا البياض، لابدّ أن نَقول: إنّ الكلام في أهل البدع يَشمل "البدع" بمَفهومها الشَّامل، الذي لا يَنحصر في "عبادة القبور"؛ بل حتَّى في أولئك الذين يَعبدون النّصوص، ويُقدِّسون الرِّجَال، ويَخطفون الدّين، ويبيعون الشّريعة بأرخص الأموال..!.

أحمد عبدالرحمن العرفج
Arfaj555@yahoo.com

أكل الكُسْكُس مَع أهل الكِرسْمس ..! *


أكل الكُسْكُس مَع أهل الكِرسْمس ..! *

بَين المَرحلة وأختها، تَأتي تَصريحات مِن هَذا المَسؤول أو ذَاك، أو هَذا العَالِم أو غيره، تَستوجب التَّوقُّف، وتَستدعي لَفت الانتباه، حَتى تَنتشر بين النَّاس، لعلَّها تُحدث شيئاً مِن الحراك -كَما يَقول بَعض المُتفذْلِكين-، أو التَّفاعُل -كَما يَقول بَعض الكيميائيين-..!
وقَبل أيَّام استوقفني خَبرٌ نُشر في صَحيفة عُكاظ (23/12/2010م)، لشيخ مُعتبر ذُو مَكانة مُرتفعة، إذ هو عضو في هيئة كِبار العُلماء، عَن طَريق الصَّحفي النَّشط "عبدالله الداني"، يَتعلَّق بأجواء رَأس السَّنة والاحتفال بها، ونَظراً لأنَّنا مَغمورون الآن بسَيل التَّرتيبات لاحتفالات "الكِرسْمس"، فإنَّ مِثل هَذا التَّصريح يصعد مِن الهَامش إلى المَتن، ومِن الوَسط إلى القمَّة..!
يَقول الخَبر: (أوضح عضو هيئة كِبار العُلمَاء الدكتور "قيس بن محمد آل الشيخ مبارك"، أنَّ إجابة دَعوة غَير المُسلمين لحضور أعيادهم مُباح، إذا قُصد مِن وَرائه إدخَال الفَرحة عَليهم، وتَأليف قلوبهم على الإسلَام. وبيّن الدكتور "المبارك" أنَّ مَسألة حضور أعياد غَير المُسلمين -استجابة لدَعوة مِنهم- مِن مَسائل الفقه التي يسَعها الخلاف، مُشيرا إلى أنَّ العُلماء اختلفوا فِيها، فمِنهم مَن ينهي عن حضور أعيادهم، خَوفاً مِن أن يَكون فيه نَوعٌ مِن الإقرار لَهم، ورضا بما فِيها مِن مُنكرات.. ورأى عضو هيئة كِبار العُلمَاء، أنَّه لا خلاف في أنَّ إقرار أعياد غير المُسلمين والرضا بها، مِن أعظم المُحرَّمات، مُستدركاً أنَّ مِن العُلمَاء مَن أباحها لمَا في ذَلك مِن برٍّ بهم، وتَأليف لقلوبهم. واستدل "المبارك" بقَول الله تَعالى: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، ولاحظَ أن رَفض دعوة غَير المُسلمين لحضور أعيادهم يُنفِّرهم ويَصرفهم عَن الحَق، مُضيفاً: نَحنُ مُطالبون ببثِّ الخير للنَّاس، ولا سبيل لعَرض مَا عندنا مِن هُدى وخَير إلَّا بتَطييب النّفوس وتَهدئتها، لتَرى الحَقَّ فتَهتدي إليه)..!
حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!
بَقي القَول: إنَّ فَضيلة الشّيخ "المبارك" يُشكر عَلى هَذا التَّصريح، الذي حَتماً سيُواجَه بعَاصفة -أو لِنَقُل بزَوابع- مِن المُعارضة والمُمانعة، ولكن الحَق أحق أن يُتَّبع، وأقصد بالحَقِّ هُنا، أنَّ الشّيخ أوضح أنَّ المَسألة فِيها خِلاف بين العُلمَاء، وهَذا غَاية الأدب والأمانة العلميّة، وكَان الله في عَون الشّيخ، حيث سيَنتقص الدّهماء مِن رَأيه، ويُسفّهوا مَا ذَهبَ إليه، لأنَّ الكثير مِن أنصاف المُتعلِّمين والجَهلة يَسيرون عَلى قَاعدة: (مَن لا يُوافقني فهو ضدِّي)، ومَا عَرفوا أنَّ طُرق الوصول للحَقِّ مُتعدِّدة..!. والله مِن ورَاء القصد،،،
--------------------
* الكُسْكُس: أكلة لَذيذة، وهي تُعتبر الوَجبة الرّئيسيّة لعَرب شَمال إفريقيا، ويُحبّها خَلقٌ كَثير مِن أهل بريطانيا العُظمى..!

أحمد عبدالرحمن العرفج
Arfaj555@yahoo.com


الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019

الصِّيَامُ الهِندِي والصِّيَامُ الإسلَامِي..!

الصِّيَامُ الهِندِي والصِّيَامُ الإسلَامِي..!

السيّد الدّكتور "عرّاب" ماليزيا، هذا المُفكِّر بنى بلده على أساس مِن القوّة والثّقة، حين نجح -خلال اثنين وعشرين عاماً مِن حُكمه لها- في جعلها بلداً يشهد نموًّا سريعاً، ونجاحاً مُتفرّداً، صيّرها مضرب المَثل في القفز على تحديّات المكان ومتاعب الزَّمان!
ولقد عُرف عن الدّكتور "مهاتير" مواقفه المُعادية للهيمنة الأمريكيّة على العَالَم، وهذا لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر في مسيرة الكَارِه والمكرُوه، ولكن ما يُؤثِّر وما يُؤلم؛ ما صرّح ويُصرِّح به هذا المُفكِّر مِن نقدٍ وعتاب، يخصّ العَالَم الإسلامي وتخلّفه، وهذا ما يجب أن نتوقّف أمامه طويلاً، ونتفكَّر فيه مليًّا!
لقد شنّ "مهاتير" هجوماً على (الإسلام المُعاصر)، واتّهمه بأنَّه المسؤول عن تخلّف المسلمين، وأشار إلى أنَّ صلوات المُسلمين لم تمنعهم مِن الهزائم على كُلّ الأصعدة، مُؤكِّداً أنَّ هذا لا يعني أنَّ الله تخلَّى عن المُؤمنين، بل أرجع ذلك إلى أنَّ المسلمين لم ينجحوا في بلوغ مستوى البلدان المتطوّرة في مجال المعرفة، والقدرة على إنتاج الأسلحة، وتشكيل قوات مُنضبطة ومُدرَّبة بشكل جيّد!
واستطرد السيّد "مهاتير" قائلاً: (لا أحد يُعير اهتماماً للذين يدرسون العلوم والرّياضيات أو الهندسة، وكُلّها ضروريّة لبناء القدرات الدّفاعيّة للدّول الإسلاميّة)!
كما أكَّد "مهاتير" على أن خلاصنا لن يتم بقتل الأبرياء بشكل عشوائي، بل علينا الاستعداد وتنفيذ خطة طويلة الأمد، لنتميّز في جميع المجالات!
واتّهم "مهاتير" بعض الزّعماء الدّينيين؛ بمنع المؤمنين مِن التكيّف مع المُتغيّرات في العَالَم، مُؤكِّداً أنَّ البعض يعتقد -على ما يبدو- أنَّه بإحياء نمط حياة كانت سائدة في عهد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ يُمكننا أن نُصبح مسلمين حقيقيين!
وأضاف المُفكِّر الرَّئيس "مهاتير": (إنَّ الحضارة الإسلاميّة التي كانت في طليعة التّقدّم العلمي تراجعت، لأنَّ قادة إسلاميين بدأوا في الدّعوة إلى عدم دراسة المواد غير الدّينية، والنَّتيجة -كما يراها السيّد "مهاتير"- أنَّ مليار مُسلم بدلاً مِن أن يُشكِّلوا قوّة عالميّة، أصبحوا يُقسَّمون بسهولة مِن قِبَل غير المسلمين، ويُهزمون –أيضاً- بسهولة، ويُجبَرون على قبول القانون والهيمنة الأجنبيّة)!
وقال السيّد "مهاتير" في نهاية كلمته: (إنَّ النَّتيجة الوحيدة التي يُمكننا استخلاصها مِن هذا المصير المُؤسف، هي أن الإسلام الذي يُمارسه المسلمون اليوم هو تأويل سيئ لدينهم)!
هذا ما قاله المُفكِّر الرَّئيس "مهاتير"، بعد تجربة ربع قرن في الحكم وصناعة القرار.. إنَّه لا يبتعد كثيراً عن طروحات عُلماء كبار في العَالَم الإسلامي، فقبل عشرات السّنين كَتب المُفكِّر الليبي "الصَّادق النيهوم" كِتَابه: (محنة ثقافة مُزوّرة.. صوت النَّاس أم صوت الفقهاء..؟)، قال فيه كلاماً كأنَّه هذا الذي يقوله "مهاتير"، ويبدو أنَّ هُناك إجماعاً على التَّخلّف، ولكن أين المَخرج ومتى؟.. وقبل ذلك وبعده "كيف"؟!
ماذا بقي؟!..
بقي القول: إنَّ كُلّ أفكار السيّد "مهاتير" خطرت في الذّهن منذ سنوات، عندما صافحت العين بيت شاعرنا "الشَّاعر القروي" حين قال -قاصداً صيام الرَّئيس الهندي "غاندي"، ومُعرِّضا بهامشيّة صيام المسلمين-:
لَقَدْ صَامَ هِنْدِيٌّ، فَرَوَّعَ أُمَّةً
وَمَا ضَرَّ –يَوْماً- صَوْمُ مِلْيَارِ مُسْلِمِ!

أحمد عبدالرحمن العرفج

الخميس، 28 نوفمبر 2019

فن العوم في علاقة الأعرَاب بالصوم ..!

فن العوم في علاقة الأعرَاب بالصوم ..!

لكُلِّ جِنسٍ مَعالِم، ولكُلِّ بيئةٍ مَلامح، ولكُلِّ شَعبٍ طقُوس، ولكُلِّ أُمَّةٍ سَبيل.. ومِن هَذه البَوَّابَة يُمكن أن أدخل عَلى مَقال اليَوم..!
مِن الوَاضح أنَّ علاقة الأعرَاب بالصَّوم؛ مَسألة فِيها نفُور وخِصَام، وكَراهية وقلّة وِئَام، فأغلَب الأعرَاب -وفي روايَة أُخرى البَدو- مُنذ فَجر التَّاريخ لا يَرتاحون لمَفهوم الصَّوم، ويَزعم الرَّاصدون أنَّهم أَلِفُوا مَشهد بَعض الأعرَاب؛ الذين يَخرجون مِن صَلاة الفَجر وهُم يَشدُّون اللثام، كتَعبير عَن حَالة الاستنفَار التي تَتطلَّب كَبح الشَّهوات أثناء الصَّوم، وكأنَّه الصَّائم الوَحيد، ولا يَجب عَلى أحد أن يُعكِّر مَزاجه..!
وقَد حَمَلَتْ لَنا كُتب التُّراث قصصاً كَثيرة، تُؤكِّد عَدم تَطبيع العَلاقة بين الأعرَاب والصَّوم، فقد رَوى "الأبشيهي" في كِتَابه "المُستطرف في كُلِّ فَنٍّ مُستظرف"، أنَّ أحد الأعرَاب لَمَّا بُشِّر بدخُول شَهر رَمضان، قَال عَلى الفَور: "والله لأُشتتن شَمله بالأسفَار"..!
ويَروي شيخنا "أبوسفيان العاصي" أنَّه شَهد نِزاعاً بين أعرَابيين؛ كَان أحدهما صَائماًً والآخر غَير صَائم، وسَبب المَشادة أنَّ المُفطر كَان يَتناول الطَّعام في نَهار رَمضان، فقَال الأعرَابي الصَّائم: يا أخي احترم مَشاعري، ولا تَتناول الطَّعام أمَامي، فمَا كَان مِن المُفطر إلَّا أن رَدّ عليه قَائلاً: وأنتَ أيضاً احترم مَشاعري ولا تَصُم أمَامي، وتزعجني برَائحة فَمّك الكَريهة..!
ومِن طَريف مَا سَمعتُ مِن الرّواة، أنَّ رِجَال الحِسبة ألقوا القَبض عَلى أعرَابي أفطر في نَهار رَمضان، فأخذوا يَنصحونه بلُطف –عَلى غير عَادتهم- مُذكِّرين إيَّاه بأهميّة رَمضان وفَضله، ومُركِّزين عَلى أنَّه شَهر أُنزل فِيه القُرآن، وأنَّه شَهر مَحبوب، كَان الصَّحابة -رضوان الله عليهم- يَنتظرونه طِيلة العَام، ومَا أن ظَنَّ "المُحتسبون" أنَّ هَذا المُفطر سيَتوب ويَعترف بذَنبه، فاجأهم بقَوله: يا إخوَان لَو كَان رَمضان شَهراً مَحبوباً -كَما تَقولون- لما جَعل النَّاس لفرَاقه عيداً..!
رَحم الله "الأبشيهي" الذي اكتفَى بجَمع النَّوادر والطَّرائف، لإدخَال البَسمة عَلى الوجوه، ولم يُكلِّف نَفسه عَناء الشَّرح للأعرَابي، أنَّ مَا يَفعله خَطأ جَسيم، يَنم عَن جَهل عقدي فَاضح، وربَّما لَم يَجرؤ صَاحب المُستطرف -إن صَحَّت قصّته أو أدرَك زَمن صَاحبها- عَلى تَقديم النُّصح والإنكَار عَليه، لأنَّ العُمر "مِش بَعزقة" كَما يَقول أهل الكنَانة..!
ولا تَختلف حَال شيخنا "أبي سفيان العاصي" كَثيراً عَن زَميله الأثير "الأبشيهي"، إذ أنَّه -حفظه الله- لَم يَقرّ يَوماً إلَّا بشَجاعة الاعترَاف بالجُبن، وهو مَا دَفعه للإحجَام عَن مُحاولة إقناع الأعرَابي الثَّاني بأنَّه أخطأ؛ حِين عبَّر عَن اشمئزَازه مِن رَائحة فَم أخيه الصَّائم، وخَشي أن يَشرح لَه بأن هَذه الرَّائحة عِندما تَصدر مِن فَم الصَّائم تَكون أفضل عند الله مِن رَائحة المِسك -كَما وَرد في الحَديث الشَّريف- لَيس خَوفاً مِن التَّهكُّم والتَّندُّر، بَل لأنَّ شَيخنا يَعتبر جُمجمته ثَروة وَطنية، وستَفقد الأُمَّة جُمجمة ثَمينة حِين تَتعرَّض للتَّهشيم، بمُفتاح عَجلات "الكَامري" أو "الوَانيت"، مُعتبراً أنَّ الثَّقافة الدِّينيّة لَدى هَذا الرَّجُل قَد لا تَتجاوز أدَاء الصَّلاة، والحَد الأدنى مِن الوَاجبات، التي لا تنفر مِنها ثَقافته الصَّحراويّة القَاحلة..!
أمَّا رِجال الحِسبة، فلا يُمكن لأحد أن يُوجِّه لَهم اللوم في خِضَمِّ رِقّتهم مَع المُجاهر بالإفطَار في نَهار رَمضان، وليس مِن وَاجبهم أن يخلخلوا ثَقافة جَافَّة لا تَستحضر الأفرَاح والليالي المِلاح، إلَّا عِندما تَزول الكربات والمِحن..!
وحتَّى لا يَظن آثم، أنَّ المَقال يَقصد الأعرَاب في مَنطقة دون غَيرها، أو في حُقبة دون أُخرى، أُشير إلى أنَّ الشَّاعر الكَبير –أو لِنَقُل شَاعر الأُمرَاء- "أحمد شوقي" كَان أعرابيًّا في طَبعه، ولغته ومُكتسباته الفِكريّة، حيثُ اختصر فِكرة هَذا المَقال حِين نَادى سَاقي الخَمر قَائلاً:
رَمَضَانُ وَلَّى هَاتِهَا يَا سَاقِي
مُشْتَاقَةٌ تَسْعَى إِلَى مُشْتَاقِ!

أحمد عبدالرحمن العرفج

Arfaj555@yahoo.com

تفنُّن المجتمعات العربية في مداعبة العاطفة الدينية

الحبر الأصفر
تفنُّن المجتمعات العربية في مداعبة العاطفة الدينية

أَسْلَمة الاقتصَاد وتَرويج السِّلع؛ مِن خِلال إذَكَاء العَاطِفَة الدِّينيَّة عِند المُستهلكين والبُسطَاء، أَمرٌ يَأخذ فِي الرَّوَاج يَوماً بَعد يَوم، لدَرجة أنَّنا أصبَحنَا نَرَى ونَسمَع؛ مُحاولة إضفَاء الصّبغَة الإسلاميَّة عَلى كُلِّ شَيء، ولَا تَستَغرب أَنْ تَجد سَمكاً يُبَاع فِي السّوق، وقَد كُتب بجَوَاره عِبَارة: "مَذبوح عَلى الطَّريقَة الإسلَاميَّة"، أَو تَجد مَكتباً لتَرويج العقَارَات فِي مَكَّة المُكرَّمة؛ وقَد كُتبَ عَلى مَدخله: "نِعم الجِوَار ونِعم الاستثمَار"، عَلى اعتبَار أَنَّ مَن يَشتري عِقَاراً فِي مَكَّة، سيَفوز بخَيري الدُّنيَا والآخِرَة..!
ولَعلَّ الإخوَان والأحبَاب فِي مِصر، هُم أَوَّل وأَكثَر مَن بَدَأَ التَّرويج لهَذه الأَسَاليب، وأَعنِي بِهَا رَبْط البَضَائِع، ومَا تُقدِّمه المَطَابِخ، ومَا تُنتجه المَصَانع، بالنّصوص الدِّينيَّة..!
مَثلاً: إذَا وَصلتَ إلَى مِصر، تَجد عِند بَوَّابة المَطَار آية كَريمة تَقول: (ادْخُلُوا مِصْرَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)، ولَا بَأس بذَلك.. وإذَا دَخلتَ إلَى مِصر، وتَجوَّلتَ بَين المَحلاّت، ستَجد مَحلّ عَصير يُعلِّق لَوحة، فِيهَا آيَة كَريمة تَقول: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)، وهَذه نَقبلها أَيضاً بـ"الدَّف". وإذَا ذَهبتَ إلَى حَلَّاق؛ ستَجده يُعلِّق لَوحة، فِيهَا آيَة كَريمَة تَقول: (وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ)، وهَذه أَيضاً سنَقبلها تَحت ضَغط المُوس والمَقَص، لأنَّ الاعترَاض عَلَى الحَلاّق يُشبه اللّعب بالنَّار. ثُمَّ إذَا ذَهبنَا إلَى مَطعم، سنَقرَأ آيَة كَريمَة تَقول: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، وهَذه أَيضاً سنَقبلها بالوَاسطَة، وأَعنِي بذَلك وَاسطة الجوع الذي يَعضُّ الأمعَاء..!
كُلُّ مَا مَضَى، يُمكن أَنْ نَجد لَه مَخرجاً فِي البَلَاغَة أَو الأَدَب، أَو التَّأويل والتَّفسير، أَو الفَهلوَة والتَّخريج.. ولَكن مِن المُستَحيل أَنْ تَجد تَبريراً لآيةٍ كَريمة، وَضعهَا ذَلك الخيَّاط تَقول: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَنْ نَقول: الطَّرَائِف المِصرية فِي هَذا البَاب لَا تَنتهي، فقَد شَاهدتُ صَاحب سيَّارة أُجرَة فِي مِصر، كَتَبَ عَلى الزُّجَاج الخَلفي جزء من الآيَة الكَريمة: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا).. وفي حَي الحُسين القَديم، تَجد كُشكاً صَغيراً بدَاخله رَجُلٌ طَاعن في السِّن، يُصلح السَّاعَات، وقَد عَلَّق أَعلَى الكُشك لَوحة كَتبَ عَليهَا: (وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)..!
وقَبْل الخِتَام، أُحبُّ التَّأكيد عَلَى أَنَّ هَذه الظَّاهِرَة، وأَعنِي بِهَا "إلبَاس السِّلع والمِهن لِبَاسًا دِينيًّا"، مِن أَجل التَّرويج لَهَا، لَيسَت خَاصَّة بالمِصريين، بَل هي مَوجودة فِي كُلِّ المُجتمعَات العَربيَّة، ولَكن لَا تَتَّسع المِسَاحة؛ لذِكر شَوَاهِد مِن دولٍ أُخرَى، لذَا اكتَفيتُ بالأمثِلَة فِي مِصر، لثُقلهَا الاجتمَاعي والثَّقَافي والدِّيني..!!

أحمد عبدالرحمن العرفج
T: Arfaj1

Arfaj555@yahoo.com

الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

صلاتي هي راحتي أم سعادتي.. أم نجاتي؟!

الحبر الأصفر
صلاتي هي راحتي أم سعادتي.. أم نجاتي؟!

عِندَما تَتجوّل في أي مَدينة سعوديّة، ستَلتَقَط ظَاهرة هُنَا، أو خصُوصيّة هُنَاك، ومِثل هَذه المَلامح يَجب أن تُلتقط وتُدرس بعنَاية، حتَّى يَتم الاستفَادة مِنهَا، أو التَّوصُّل إلى جذُورها..!
وقَبل أيَّام زُرت مَدينة بُريدة –بضمّ البَاء-، فلَاحظتُ أنَّ بَعض السيّارَات وُضع عَلى زُجَاجها الخَلفي مُلصق كُتب عَليه: "صَلَاتي نَجَاتِي"، وبَعضها وُضع عَليها مُلصق كُتب عَليه: "صَلاتي رَاحتي"، وبَعضها الآخَر وُضع عَليها مُلصق كُتب عَليه: "صَلاتي سَعَادتي"، وكُلّ جُملة تَدلُّ عَلى كَاتِبها، وكَأنَّ هَؤلاء يَتبَارون في بيَان أثَر الصَّلَاة عَليهم..!
وبحُكم أنَّني عَامِل مَعرفة، وأَحْفُر في حَقل تَفكيك المُفردَات، سأستَعرض شَيئاً مِن عَضلَاتي التَّفكيكيّة؛ لتَفصيل كُلّ عبَارة ومَنبعها..!
فمَثلاً العبَارة الأُولَى تَقول: "صَلاتي نَجَاتي"، وكَاتِب هَذه العِبَارة؛ يَعتبر الصَّلاة طوق نَجاة، ويَتمنَّى أن تُنجيه صَلاته مِن النَّار، ويَنظر إلَى الله –جَلّ وعَزّ- عَلى أنَّه شَديد العِقَاب..!
أمَّا العِبَارة الثَّانية التي تَقول: "صَلاتي رَاحتي"، فإنَّ كَاتِبها يُشير إلَى أنَّ الصَّلاة وَسيلة مِن وَسَائل الرَّاحة، وهو يَتّكئ في عَقلهِ اللا وَاعي عَلى أثَر نَبوي يَقول: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلاَل" -أي الصّلاة-، والرَّاحَة هي مَنطقة أكثَر سَلَامة وأمنَاً مِن "مَفهوم النَّجَاة"..!
ولَو نَظرنا إلَى العِبَارة الثَّالثة القَائلة: "صَلَاتي سَعادتي"،  فإنَّ مُبتَكِر هَذه العبَارة يَبني عَلاقته مَع الله –عَزّ وجَلّ- عَلى مَبدَأ الرَّحمة، وأنَّه وَاسع المَغفرة، كَمَا يَتّكئ أيضاً عَلى قَول الله –جَلّ وعَزّ-: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ)، فالصَّلاة هي رَاحة واطمئنَان، ونَجَاة وسَعَادَة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: يَبدو لِي والله أَعلَم –كعَامِل تَفكيك وحَفْر في المُفردَات- أنَّ عبَارة "صَلاتي سَعادتي"؛ هي أكثَر العِبَارَات نَجَاحاً وفَلَاحاً وتَوفيقاً، وهي مُنسجمة مَع قَول "الحطيئة" حِين قَال:
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ
وَلَكِنَّ التَّقِيّ هُوَ السَّعِيدُ

أحمد عبدالرحمن العرفج
تويتر: Arfaj1

Arfaj555@yahoo.com

بِدْعَةُ الإغلَاق للصَّلَاة ..!

بِدْعَةُ الإغلَاق للصَّلَاة ..!

أدركتُ قبل أن تَخشوشن أظَافري؛ أنَّ تَعطيل كَافَّة مَرافق الحياة بحجّة "الصَّلاة"، لا يَتَّسق مَع "المَفهوم الدِّيني الشَّامل"، الذي يَضع "المَصالح العَامَّة" في سلّم أولويّاته "المَرنة"!
وبما أنَّني أعتبر نَفسي سَائق خَط "بامتياز"، بسبب كَثرة الأسفَار بين المُدن، لـ"زيارة والدتي" –ألبسها الله ثَوب العَافية وأعانني على برّها- و"طَلَب العِلْم"، و"مُلاحقة لُقمة العيش"، فقد كَبُرَ معي تَساؤل مُرّ، حول جَدوى إغلاق "مَحطّة مَحروقات" أثناء الصَّلاة؛ في قرية صَغيرة تَقع على طَريق المُسافرين، رغم أنَّ عَدد سُكَّان تلك القَرية قد لا يَتجاوز 15 شَخصاً، بما فيهم عُمَّال المَحطَّة، وقد يَكون هَؤلاء العُمَّال غير مسلمين..!
لكن البَاحث الشُّجاع "عبدالله العلويط" -حسب ما نُشر –هنا- في صَحيفتنا "المدينة" في 4/4/1431هـ- كَفاني ذُلّ السُّؤال، حين اعتبر أنَّ إغلاق المَحلَّات التُّجاريّة وَقت الصَّلاة "بِدْعَة"، وفق المَعنى السَّائِد للبِدْعَة، وهو فعل شيء لم يُفعل في صَدر الإسلام، وأنَّ هذا الإغلاق "لا أساس له مِن عَقل أو دين"، ولا يَعدو أكثر مِن "إلزام للنَّاس بقَول فِقهي، وحَملهم عليه قَسرا"..!
وذهب "العلويط" إلى أبعد مِن ذلك، حين اعتبر "الإغلاق" يُخالف الشَّرع، حيثُ يُضيّق وَقت الصَّلاة، إذ يُجبر النَّاس عَلى الصَّلاة في أوّل الوَقت، مع أنَّ أوقات الصَّلاة موسَّعة..!
وعدَّد "العلويط" الأضرار المُترتِّبة عَلى إغلاق المَحلَّات وَقت الصَّلاة، بما يُخالف ما تَنشده الشَّريعة مِن رَفع الضَّرر، ومَن أراد الاستزادة فعليه زيارة الرَّابط التَّالي: http://www.al-madina.com/node/233207
لكن مَا لَفت نَظري رَدّ الشّيخ "سعود الفنيسان" -عميد كليّة الشَّريعة بجَامعة الإمام محمد بن سعود- على البَاحث "العلويط"، حين اعتبر أنَّ رأيه هو "البِدْعَة"، حيثُ استشهد الشّيخ "الفنيسان" بالآية الكريمة القائلة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).. وأصرّ "الفنيسان" على أنَّ هذا أمر يُطبَّق عَلى صَلاة الجُمعة، وغيرها مِن الصَّلوات المَفروضة، مُعلِّلاً عَدم فَرض "الإغلاق" في صَدر الإسلام، بأنَّ "الصَّحابة والتَّابعين" كانت أكثر أعمالهم طَاعات، ولم يَشتغلوا بالتِّجارة -كما هو الآن-..!
والقلم –هنا- يتوجّه بسؤال للشيخ "الفنيسان" مفاده: هل أحتاج لتَذكير الشيخ أنَّ القُرآن الكريم دَقيق، ومُحكم في أوامره ونَواهيه، وكَلماته وحروفه، ولا حَاجة لتَطويعه حَسب الأهوَاء..؟!
وقَد وَصف صَديقنا البَاحث الدّؤوب "عبدالعزيز الخِضر"؛ قبل حوالي أربع سَنوات، في مقالٍ له بصَحيفة "الشَّرق الأوسط"، أنَّ "الإغلاق" وقت الصَّلاة مِن الخصوصيّات والتَّقاليد؛ التي استطاعت أن تَصمد وتَزداد تَعقيداً في مُمارستها، مع كُلّ المُتغيّرات الكُبرى؛ التي غيّرت وَجه المُدن السّعوديّة خلال عدّة عقود، لتُنافس عَواصم عَالميّة في نموّها وامتدادها العُمراني، وحيويّة أسوَاقها التّجاريّة.. مُعتبراً أنَّ صمود الكثير مِن الأشياء، يَتحوّل مَع الزَّمن إلى حزمة مِن العُقد، التي يَتداخل فيها الدِّيني والاجتماعي، والسّياسي والاقتصادي، والمَزاج الصِّراعي بين تيّارات مُختلفة، مما يُسهم في إزاحة التَّفكير المُعتدل حولها..!
حسناً.. ماذا بقي..؟!
بقي القول: إنَّ مَن يَملك إرادة وإدارة التَّغيير، هو القَادر عَلى بثّه في مَفاصل المُجتمع، بمُبادرة جَريئة لا تَلتفت للنّفوس الرَّديئة، ولا للمَقَاصد البَريئة..!.

أحمد عبدالرحمن العرفج

Arfaj555@yahoo.com

إغلَاق الشَّبكَات وَقت الصَّلوَات ..!

إغلَاق الشَّبكَات وَقت الصَّلوَات ..!

إنَّ التّكنولوجيا هِبة مِن الله -عَزَّ وَجَلّ- قَد تُستخدم في الخَيرِ، وقَد تُستخدم في الشَّر، ولَكن لمَاذا لا نَنحاز إلى استخدامها في الخَير..؟! لذلك دَعوني اليوم أطرح فِكرَة للتَّداول رَغبةً في أن تَكون قَابلة للتَّطبيق..!
حَسناً.. يَوم الجمعة المَاضي ظُهراً؛ طَرحتُ في صَفحتي في "الفيس بوك" سؤالاً يَقول: (أيُّها المُشاركون في "الفيس بوك": أين أنتم مِن صَلاة الجُمعة..؟!).. لذا أقترح أن يُفتح فَرع لهَيئة الأمر بالمَعروف والنَّهي عَن المُنكر في هَذه البِدعَة التّكنولوجيّة -"الفيس بوك"- لمُراقبة المُتخلِّفين عَن أدَاء الصّلاة..!
طَرحتُ هَذه الفِكرة يَوم الجُمعة السَّاعة الوَاحدة إلَّا رُبع ظهراً بتَوقيت المَملكة، كَما طَرحتها في نَفس الوَقت في المنبر الإعلامي الاجتماعي المُسمَّى "تويتر"، وما هي إلَّا لَحظات حتّى انهالت الرّدود في المَوقعين بين مُؤيّد ومُعارض.. ومِن أبرز الرّدود قَول أحدهم: يا سيّدي حتَّى لَو كُنَّا عَلى أجهزتنا وحَواسيبنا وفي مَنازلنا؛ فنَحنُ نَسمع صَوت الخَطيب مِن خلال ميكرفون عَالي الصَّوت..!
ومُشارك آخر يَقول: مَا يُدريك لعلَّ أصحاب الأجهزة تَركوها شَغَّالة وذَهبوا لأداء الصّلاة..!
أمَّا مُشارك ثَالث في "تويتر" فيقول: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).. أين أنتَ مِن الصّلاة يا "أحمد"..؟! فرددتُ عليه قَائلاً: إنَّني في لَندن وبَاقي عَلى الصّلاة أكثر مِن ثَلاث سَاعات.. فقَال: دونك يا "عرفوجي"، إنَّ لَندن تَحتاج إلى فَتح مِئات الفروع للهَيئة، نَظراً لكَثرة المُنكرات والمَعاصي.. فقلتُ لَه: صَدَقْت..!
إنَّني في هَذا المَقال أؤكِّد عَلى مَبدأ العَدل في تَطبيق الأشياء، فكَما تُغلق المَحلَّات وبَعض المَحطَّات وَقت صَلاة الجُمعة -وهي مُهمّة جداً- فمَا بَالك بمَواقع الدَّردشة والحَش، وتَفريغ شُحنات البُغض والكُرْه والحُبّ مِن هَذا الطَّرف أو ذَاك..؟! أليس مِن الأجدَى تَعطيل الشَّبكة وَقت صَلاة الجُمعة؛ في كُلِّ مَدينة بحَسب تَوقيتها، طَالما أنَّنا نُغلق المُهم ونَترك الأقل أهميّة..؟!
حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!
بَقي القَول: إنَّ الأخوة في هَيئة الأمر بالمَعروف والنَّهي عن المُنكر؛ قَد يَتحمّسون لمِثل هَذا الاقترَاح -رَغم أنَّ تَطبيقه لا يَتطلب موظّفين وجَولات ميدانيّة وانتدابات وخَارج دَوام- لأنَّه يُحقّق المَصلحة التي يَنشدونها، والمَطلوب فَقط التَّنسيق بين الهَيئة ومَدينة المَلك عبدالعزيز؛ التي ستُغلق هَذه المَواقع الحواريّة وَقت صَلاة الجُمعة، كُلّ مَدينة بحَسب تَوقيتها. ومَن أرَاد أن يَدخل وَقت الصَّلاة إلى صَفحته في "الفيس بوك" أو "تويتر"؛ تَخرج لَه لَوحة مَكتوب عَليها: مَمنوع الوصول لهَذه الصَّفحة إلَّا بَعد الصَّلاة، وعَلى المُتعاملين مَع الإنترنت مُراعاة فروق التَّوقيت..!.

أحمد عبدالرحمن العرفج

Arfaj555@yahoo.com

أضواء السراج في يوميات الحاج

أضواء السراج في يوميات الحاج

لَم تَزل اليَوميّات تَحتل المَكانة الكَبيرة في أذهَان القُرَّاء والقَارِئات، والمُتابعين والمُتابعَات، لذَا لا مَفرّ مِن ضَخ يَوميّات جَديدة؛ تَتحدَّث عَن الحَج ومَا فِيه؛ مِن دَلالاتٍ وإشَارَات وأعمَالٍ ودعوَات..!
السّبت: تَأمَّلتُ أحَاديث المُجتمع؛ فوَجدتُها تَدور حَول شرَاء الأضَاحي وذَبحها، لذَا قَررتُ –وأنَا بكَامِل قوايَّ العقليّة المُعتبرة شَرعاً- أن أُضحِّي بكُلِّ مُقوّمَات الحِقد؛ والكَراهية والحَسَد، التي تَختبئ في جَوانب نَفسي الأمَّارة بالسّوء، لأجعلها تَتحوّل إلى النَّفس المُطمئنّة..!
****
الأحد: الله جَلَّ شَأنه يَأمر الحجَّاج بأنَّه: "لا رَفَثَ ولا فسُوق ولا جِدَال في الحَج".. وهَا أنَا أستَلهم هَذا التّوجُّه الربَّاني، بحُيثُ أبتَعد عَن "الرَّفث والفسُوق في أيَّام الحَج"، وفي غَيرها مِن الأيّام.. فالفسوق بَابٌ مِن أبوَاب الشّر..!
****
الاثنين: كُلُّ الحجَّاج يَلبسون المَلابس البَيضاء، لذَا غَمرني هَذا اللون بدَلالاته، فمَا كَان منِّي إلَّا أن بَدأت أُنظِّف قَلبي، لأجعله مِثل "إحرَام الحَاج" أبيض، وطَلبتُ مِن الله الكَريم الأكرَم أن يَغسلني مِن الخطَايَا، ويُنقِّيني مِنها -كَما يُنقَّى الثَّوب الأبيَض مِن الدَّنَس-..!
****
الثلاثاء: هَا هي جمُوع الحَجيج تَسعى بَين الصَّفا والمَروة، وأنَا أسعَى بَين المَفهومين، أسعَى لأصل إلى صفَاءِ النَّفس؛ الذي بَدأ يَغيب عَن أكثَر البَشَر.. وأسعَى للمَروَة مَع تَحريف بَسيط، لأُحوِّل "المَروَة" إلى "مروءة"..!
****
الأربعاء: ذَلك يَومٌ فَضيل اسمه التّروية، أدعُو الله أن يَتقبَّل فيهِ منّا ومِنكم صَالح الأعمَال، لَيتنا نَرتوي بالإيمَان والطَّمأنينة وتَصفية النَّفس....!
****
الخميس: هَا هُم النَّاس يَقفون عَلى صعيد عَرفات، لذَا سأقف مَع نَفسي وَقفة صَادقة، أُحاسبها فِيها عَلى مَا تَقدَّم مِن تَصرّفاتي ومَا تَأخَّر، لأُحقِّق القَول الشَّهير الذي يَقول: (حَاسبوا أنفسكم قَبل أن تُحاسبوا).. كَما أنَّ الصّوم في هَذا اليَوم هو سيّد المَوقف..!
****
الجمعة: تَأمَّلتُ مُفردة "حَاج"، فوَجدتُها تُجمع عَلى: "حجّاج وحجيج وحاجّون"، وهَذا فيهِ تنوّع وثرَاء، ولَكن كُلّ هَذه المُسمّيات تَدلُّ عَلى أنَّ الحَاج لَه حَاجَة عِند الله.. إلَهي: حَقَّق أحلام الحجّاج وأمَاني الحَجيج، وأجب دعوَات الحَاجّين والحَاجّات.. إنَّك وليُّ ذَلك والقَادر عَليه، يَا رَب المشَارق والمغَارب..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذه يَوميّاتي، فمَاذا عَن يَوميّاتكم أيُّها النَّاس.. فالأمس تَولَّى، والغَد في حُكم الغَيب، ولَيس لكُلِّ وَاحد مِنكم إلَّا اليَوم الذي هو فِيه..!!!

أحمد عبدالرحمن العرفج
تويتر: Arfaj1

Arfaj555@yahoo.com

مشاركة مميزة

لكُلِّ مثابرٍ نصيب.. مِن دأب النجيب!